تخاريف بقلم جلال عامر
ماذا فعلتم بمصر؟ كنا نتكلم عن «هبة النيل» فأصبحنا نتكلم عن «هبة ونادين».. كانت مصر أم الدنيا التى تنشر النور فأصبحت أم المّطاهر التى ترش الملح.. انتظرنا أن نقطع الغاز عن إسرائيل فقطعنا المياه عن مدينة نصر.. مصر تتوسع أفقياً بالمحافظات الجديدة وتتوسع رأسياً بالأدوار المخالفة.. كانت «مقبرة الغزاة» فأصبحت «جبانة الغلابة»..
أنا لا أعرف الفرق بين «طلعة جوية» «وطلعة رجب» لكننى أعرف أن إسرائيل تستخدم الفوسفور الأبيض فى الغارات، ومصر تستخدم الفوسفور الأحمر فى الانتخابات، الأول يحرق وجوه الأطفال والثانى يهرى أصابع الرجال، الأبيض يستخدم أحياناً فى «التصوير» والأحمر يستخدم أحياناً فى «التزوير»، فالبحر واحد والسمك ألوان، ومصر دولة محترمة تقع على ساحلى الأبيض والأحمر، ومع ذلك عمرى ما شفتها بالمايوه..
وقد جربت مصر الإشراف القضائى ونجحت التجربة وتصاعد غاز الهيدروجين، لكنها أغلقت المعمل وقفلت الصناديق.. وقد توفيت أمى بعد أن ماتت والدتى بثلاثة أعوام، وأتذكر أن أبى فى العزاء كان يدعك أصابع من يعزيه بالحبر الفوسفورى حتى لا يعود ويعزيه مرة أخرى، ومع ذلك طعن خالى بالتزوير بحجة أن بعض الحاضرين فى الصوان لم تكن أسماؤهم مدرجة بالكشوف، ومن يومها تعلم والدى ألا يشارك فى أى عزاء إلا إذا تأكد من وجود قاض فى الصوان،
وأتذكر أن خالى نفسه توفى فى الإعادة وكان رجلاً محبوباً، فعندما أعلن رئيس اللجنة بعد فرز الأصوات عن وفاته قام المعزون بتكسير الصوان وطالبوا بعودة خالى بدلاً من مرشح الحزب، لكن والدى أفهمهم أن كلمة الحكومة لازم تمشى.. وأنا أتذكر أن الفنان القدير فريد شوقى دخل على أحد محافظى القاهرة وقدم له طلباً بتخصيص قطعة أرض لبناء مقبرة له، فأشر المحافظ على الطلب بالقلم الأحمر «أوافق وينفذ الموضوع على وجه السرعة»،
فابتسم الفنان فريد شوقى وسأله (ليه يا أفندم على وجه السرعة؟ هل حضرتك عارف بحكم موقعك إنى خلاص هأموت؟!)، وفعلاً- ولعلكم تذكرون- فقد أعلنت الحكومة عن وفاة فريد شوقى بينما الرجل كان لايزال حياً.. أصل كلمة الحكومة لازم تمشى!!